الجمعة، 1 مارس 2013





لا حليب في تـــونس الخضراء







من المفارقات التي نشهدها اليوم وفي ظل حكومة النهضة أنّ تونس التي كانت تعرف عبر آلاف السنين بـ " مطمور روما " بمعنى مخزن الحبوب ، أصبحت اليوم تبحث عن قوت شعبها من وراء البحار، هذا ما تردّده العديد من الأصوات يوميّا .
  لقد تمّ استيراد الحبوب في السابق ونظرنا إليه على أنّه أمر عاديّ ، وتمّ استيراد الأعلاف واعتبرنا الأمر عاديّا ، وتمّ استيراد البقول بجميع أنواعها وقلنا هذا الأمر أيضا عاديّ وأرجعناه إلى العوامل المناخيّة التي أصبحت في تعاملها معنا بخيلة ولم تمكنّا من كميات الأمطار المطلوبة كما تم استيراد خرفان عيد الأضحى ، لكن أن نلتجئ إلى استيراد الحليب ، فالأمر يصبح مدعاة للتساؤل والتعجّب ، لماذا ؟ لأننا ببساطة كنّا ولا زلنا نضطر إلى التخلّص من كميات هامة من الحليب وسكبها فـي الأوديـة وهي كميّات لم تقـدر على استيعابها مجمّعات ومركزيّات ومعامل الحليب الموجودة ، فماذا جرى بالضبط ؟
  من المعلوم أنّ هناك فترة زمنيّة محدودة من السنة ينخفض فيها إنتاج الحليب وهي فترة قصيرة لا تدوم طويلا ويتمّ خلالها الالتجاء إلى ما يسمّى بـ "المخزون التعديلي" والذي يتمّ تجميعه طيلة السنة باعتباره فائضا في الاستهلاك اليومي لاستعماله عند الحاجة . وغالبا ما تمرّ فترة انخفاض الإنتاج دون أن تؤثّر على سير التوزيع العادي لمادّة الحليب . غير أن الأشهر الأخيرة لسنة 2012 وبداية 2013 عرفت خلالها هذه المادّة أزمة حادّة ومتواصلة رغم استعمال المخزون التّعديلي وتوريد كميات هامّة من سلوفينيا وتركيا .
  لقد اُعتبر في السابق أنّ سبب هذه الأزمات الظرفية لمادّة الحليب هو توقّف الإنتاج بمعمل تجفيف الحليب بزغوان الذي كان يستوعب كل الكميات الزائدة عن الاستهلاك ويقوم بتجفيفها للالتجاء إليها عند الحاجة ، وذهب في ذهن البعض  أن إعادة تشغيل هذا المعمل سيقضي بصفة نهائيّة على الأزمات الظرفيّة لمادّة الحليب مستقبلا غير أنّ الأمر ازداد تعقيدا وتأزّما بصفة غير معهودة ، فالأزمة طالت مدّتها وزاد انتشارها فما هي أسبابها وما هي الحلول ؟
  إنّ أهمّ ما لاحظناه  أنّ فقدان الحليب استمرّ لأشهر عديدة مع جنوح رموز السلطة وخاصة وزير الفلاحة للتنصل من المسؤولية ورميها على كاهل أطراف أخرى ، فحمّل المسؤولية في بادئ الأمر للمحتكرين الذين ينتظرون الإعلان عن الترفيع في الأسعار والحال وأنّه هو المسؤول الأوّل عن ذلك لأنّ الغباء السياسي دفعه إلى الإعلان عن الترفيع في سعر الحليب قبل أشهر من وقوعه . غير أن الترفيع في الأسعارالذي تحمّل وزره الجماهير الكادحة بكلّ مرارة والذي مرّ بمقتضاه سعر اللتر الواحد من 970 مي ليصل إلى 1060مي لم تنفرج معه الأزمة بل زادت استفحالا ليقع تداول الحليب في السوق السوداء بسعر قدره 1500 مي للتر الواحد أو عبر البيع المشروط : لتر من الحليب صحبة علبتين من الياغورت  ليصل السعر بهذه الطريقة إلى 1960 مي.
  لقد حاولت الحكومة دائما التفصّي من المسؤولية وعوض البحث عن حلول جذريّة لحلّ هذه الأزمة ، عمدت إلى تحميل المسؤولية لعصابات التهريب وكأنّها غير مسؤولة على  التصدّي لها   وكذلك للمحتكرين الذين يتاجرون بالقوت اليومي للكادحين باعتبار الحليب مادّة أساسيّة في التغذية خاصّة للصغار ومن أوكد واجبات السلطة الحفاظ عليها وتوفيرها لهم . وممّا زاد الطين بلّة استيراد كميّة من الحليب من سلوفينيا غير مأمونة الشروط الصحية وقد تمّ ترويجها بسعر قدره 1300 مي رغم أنّ الوضع الاقتصادي للقطر لا يتحمل مزيدا من عمليات الاستيراد باعتبار  أنّ الاحتياطي من العملة الصعبة في تلك الفترة لا يغطّي أكثر من 96 يوما من التوريد وهو مستوى متدنّي .
  إنّ عمليّة الاستيراد هذه لم تكن حلاّ ولو ظرفيا بل بالعكس مثّلت خسارة للخزينة العامة باعتبار  وقد اعتمدت السلطة  سياسة الهروب إلى الأمام عبر برمجتها لتوريد كمية أخرى من تركيا هذه المرّة  في الوقت الذي يطلق فيه الفلاحون خاصة الصغار منهم صيحة فزع وهم يضطرون يوميّا للتّخلص من كميّات هامّة من الحليب يتمّ رفضها من قبل مراكز التجميع فتزداد بذلك خسارتهم .
  إنّ الحلول الترقيعية المتبعة من طرف السلطة الحاكمة أثبتت بالملموس عجزها عن حل الأزمة ، فعلى مدار السنوات الفارطة كان إنتاج الحليب يغطي الاستهلاك الداخلي ويؤمّن جزءا هامّا للتصدير نحو ليبيا والجزائر والتذرّع بتهريب هذه المادّة للأقطار العربيّة المجاورة لم يكن بالمرّة السبب في فقدان الحليب والاضطرار للتوريد لأنّ المسألة أعمق من هذا .
  إنّ السبب الرئيسي هو غلاء الأعلاف بحوالي 30 في المائة مما نتج عنه عدم قدرة الفلاّحين الصغار منهم والمتوسّطين على توفير الغذاء اللاّزم لقطيعهم من الأبقار الحلوب لأنّ نوعيّة الغذاء والكميّة المقدّمة للبقرة يوميّا هي المحدّد في إنتاجها اليومي وقد دفع هذا الارتفاع في أسعار الأعلاف بالعـديد من المربّين إلى التقليص من قطيعهم أو التخلّص منه تماما عبر البيع.  
  إنّ الحلول ممكنة متى توفّرت الإرادة السياسيّة وذلك عبر المبادرة بالقيام ببعض الإجراءات العاجلة المتمثّلة فيما يلي :
- التخفيض في أسعار الأعلاف خاصّة بالنسبة للفلاحين الصغار والمتوسّطين للحفاظ على ما يملكونه من قطيع للحدّ من عمليّات التفريط فيه بأبخس الأثمان .
- تمكين الفلاحين الفقراء من بعض المنح لتربية الأبقار حتّى يتوفّر لهم مورد رزق قارّ يعود عليهم بالنفع ويساهم في تزويد السّوق بمادّة الحليب .
- تنظيم مسالك التجميع والتوزيع لمادّة الحليب والتصدي للتهريب والبيع بالسوق السوداء والبيع المشروط لحماية المستهلك والضغط على أصحاب المعامل للتخفيض في نسبة الحليب المعدّة لإنتاج الياغورت .
- إبقاء عملية التوريد منحصرة بين يدي الوزارة المعنية لا بيد الشركات الخاصة مع توفير الشروط الصحية ، على أن لا تتجاوز الأسعار 1060مي .
  أما على المستوى الإستراتيجي فإنّ الحلول تتمثّل فيما يلي :
- بعث تعاضديّات فلاحيّة في كلّ الجهات تقدّم العون اللاّزم للفلاّح بتمكينه من الأعلاف الضرورية بأثمان منخفضة وقيامها بعملية التجميع والتوزيع .
- الترفيع في المساحات السقوية المخصّصة لإنتاج الأعلاف خاصّة الخضراء منها باعتبارها مدرّة للحليب مع تمكين الفلاحين الفقراء والمتوسطين من قروض ميسّرة ومنح لتشجيعهم على ذلك .
- إنشاء معامل للحليب خاصّة بالجهات التي تتميّز بوفرة الإنتاج .
- تركيز معامل لتجفيف الحليب في المناطق التي يوجد فيها فائض في الإنتاج.
  إنّ مثل هـذه الإجراءات ستمكننا ولو آجلا من الخروج بصفة نهائية من الأزمة الخانقة للحليب ، كما ستساهم أيضا في القضاء على كل الأزمات الظرفيّة وستمكن من التصدير بصفة قارّة للاقطار المجاورة دون أن يؤثّر ذلك على مستوى الاستهلاك المحلّي . إنّ هذه الحلول ستعود بالنفع أيضا على الاقتصاد من خلال إحداث مواطن شغل قارّة وبعث موارد رزق للفلاحين وتشجيعهم على التشبث بأراضيهم والاستقرار بها وكذلك بتوفير العملة الصعبة عبر التصدير .
  إنّ مثل هذه الإجراءات الثوريّة لن تقوم بها سوى سلطة وطنية أفرزتها إرادة العمال والفلاحين وكل الكادحين تنفذ إصلاحا زراعيا جذريا   .

صدر بجريدة طريق الثورة عدد فيفري 2013

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق