الجمعة، 1 مارس 2013




"العطّـــارة أو " الحوانتية " بين المطرقــة و السّندان


 أعلن وزير التجارة خلال شهر ديسمبر 2012  "أنّ وزارته بصدد دراسة مجموعة من المطالب التي تقدّم بها العديد من المستثمرين الراغبين في بعث مساحات تجاريّة كبرى سواء بالعاصمة أو بداخل الولايات الأخرى وأنّ هذه المشاريع الإستهلاكيّة ستوفّر حوالي 20 ألف موطن شغل وأنّ هذا المسعى يدخل في إطار رفع نسبة الفضاءات الكبرى والمتوسّطة من 18 بالمائة حاليا إلى 50 بالمائة في أفق 2016".
 إنّ ما يمكن ملاحظته من خلال هذا التصريح أنّ الحكومة الحالية ماضية في نفس التوجّه الاقتصادي للحكومات السابقة باعتبارها تمثل نفس النظام الحاكم منذ 1956 ، هذا التوجّه الذي جعل من القطر سوقا مفتوحة على مصراعيها للبضائع الواردة عليه من جميع أنحاء العالم من خلال اتفاقيات الشراكة مع السوق الأوروبية المشتركة والامتيازات الجمركية والجبائية التي تمنح لها وأصبح بذلك المجتمع التونسي سوقا مفتوحة للبضائع الامبريالية  خاصة مع سيطرة الإشهار على وسائل الإعلام المرئية منها والمسموعة والمكتـوبة وعلى أغلب الفضاءات العامة والذي يقدّم العديد من الإغراءات التي أثّرت على السلوك الاستهلاكي لأغلب الجماهير فتجاوزت مقدرتها الشرائية لتجد نفسها مرتهنة للبنوك جراء ما تحصل عليه من قروض استهلاكية ذات فوائض مجحفة .
  إنّ هذا التوجّه الاقتصادي من شأنه المساهمة في زيادة بؤس المعدمين وتفقير البرجوازية الصغيرة والمتوسطة  وأصحاب المهن الصغرى خاصّة "العطّارة" او "الحوانتية " اى أصحاب الدكاكين التى تبيع المواد الغذائية بالتفصيل  الذين يصل عددهم الحالي إلى حوالي 40 ألفا والذين يمثلون الملاذ الوحيد للفئات الفقيرة لاقتناء حاجياتهم اليومية والضرورية عن طريق "الكريدي" أو الخلاص المؤجّل . إنّ طريقة التعامل التجاري هذه لا توجد إلاّ لدى " العطارة " وهي منعدمة بالفضاءات التجارية ، هذه الفضاءات التي تقتني بضائعها بأثمان منخفضة من الشركات المنتجة مباشرة وتعمد في بعض الحالات إلى التخفيض في الأسعار نظرا لكون هامش ربحها مرتفعا الأمر الذي لا يقدر عليه " العطارة " الذين يقتنون سلعهم من بعض الوسطاء وفي بعض الحالات يتعرضون للابتزاز من طرفهم عبر البيع المشروط . والنتيجة الحاصلة هي أن الحرفاء القادرين على الخلاص الحيني  للـ"عطّارة " استهوتهم المساحات الكبرى فخسر هؤلاء جانبا هامّا من حرفائهم ممّا أثّر سلبا على مداخيلهم التي بدأت في انحدار مستمر ممّا نتج عنه إفلاس بعضهم وانضمامهم إلى سوق العاطلين عن العمل.
  إنّ هذا التوجّه الاقتصادي من شأنه أيضا أن يهدّد الوضع المادّي والاجتماعي لحوالي 40 ألف عائلة تعيش من هذه التجارة ، كما سيحيل نفس هذا العدد من المشتغلين فيه على البطالة الإجبارية ، كما سيؤثّر سلبا على الحيـاة اليومية للفئات المفقّرة التي كانت تقتني حاجيـاتها عـن طريـق " الكريدي " ، وبالتالي سيزداد جوعها وبؤسها لأنه وبالقضاء على "العطارة" لن تتمكن من توفير ضرورياتها الحياتية من الغذاء باعتبارها غير قادرة على اقتنائها من الفضاءات التجارية الكبرى التي لا تتعامل إلاّ "بالحاضر" أي أن تسليم البضاعة المطلوبة لا يتم إلا بعد خلاص ثمنها .
  إن الجماهير الكادحة والمفقرة هي دائما الضحيّة الأولى للأنظمة اللاوطنية التي لا تخدم سوى مصالح الطبقات الماسكة بزمام السلطة من كمبرادوريين وإقطاعيين وبيروقراطيين وهي طبقات ميسورة همها الوحيد السعي لمراكمة الأرباح والثروات وكذلك ضمان مصالح حلفائها الإمبرياليين على حساب قوت الجماهير اليومي .
  إنّ المساحات التجارية الكبرى المزمع الترفيع في نسبة تواجدها في القطر ستكون من نصيب شركات عالمية وبعض السماسرة المحلّيين الذين لا همّ لهم سوى الربح وتكديس الثروات على حساب جوع وبؤس الملايين من الفقراء. كما أنّ السلطة الحاكمة لا يهمّها أيضا أن ترمي بحوالي 40 ألف عائلة إلى مجاهل الفقر وبحوالي 40 ألف شخص إلى البطالة بتعلّة خلق حوالي 20 ألف موطن عمل جديد .
  إنّ المنطق السّليم يقتضي المحافظة على مواطن الشغل الموجودة وعلى قوت الجماهير الكادحة والاستثمار في قطاعات هامّة واستراتيجية قادرة على أن تكون ركيزة لبناء اقتصاد وطني  وذات تشغيلية مرتفعة ومستمرّة لا في قطاعات هامشية . غير أن هذا المنطق لا يستقيم مع الحكومة الحالية بوصفها معادية لتطلعات الجماهير، هذه الجماهير التي ليس لها من حلّ لتحسين ظروف عيشها سوى مواصلة النضال بلا هوادة حتى تحقيق أهدافها في التحرر الوطني والاشتراكية .

طريق الثورة عدد فيفرى 2013

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق