الجمعة، 1 مارس 2013




التّحوير الوزاري : و قف حمار الشيخ في العقبة


 راهنت العديد من الأطراف الانتهازيّة على التحوير الوزاري المنتظر واعتبرته حلاّ ممكنا للمشاكل الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة العالقة خاصّة أنّ العديد من أبواق الدّعاية قدّمته على أنّه الحلّ الجذري لما ترزح تحته الجماهير الكادحة من ظلم واضطهاد واستغلال ولما تكتوي به من نار غلاء المعيشة الذي أثّر سلبا على مقدرتها الشرائيّة .
  لقد اعتبر هؤلاء  أنّ الإشكال يكمن في الأشخاص المكلّفين لا في برنامج الحكومة ككل  فتحدثوا عن حكومة أزمة تارة وحكومة كفاءات محدودة العدد أحيانا أخرى  وعبروا عن استعدادهم للمشاركة فيها متجاهلين طبيعة السلطة القائمة .  
 ان أصل الدّاء يكمن في طبيعة النظام الحاكم الذي يمارس خياراته اللاوطنية واللاشعبية واللاديمقراطية وهي نفس الخيارات التي كانت تعتمد منذ 1956 والتي خبرتها الجماهير الكادحة واعتبرتها لا تعكس إرادتها ولا تطلّعاتها وتصدّت لها عبر العديد من الانتفاضات .
  لقد حافظ الوضع العام بالقطر على حالته منذ انتفاضة 17 ديسمبر 2010 ، بل وتغيّر نحو الأسوأ جرّاء الارتفاع الجنوني للأسعار الذي شمل بالأساس قوت الجماهير الفقيرة والكادحة وحتّى المتوسّطة منها وانعكس ذلك سلبا على الحياة اليومية للشعب فتدهورت المقدرة الشرائية و فقدت بعض المواد الضرورية من الأسواق   ، كما تواصل التهميش الممنهج للجهات خاصة تلك التي مثّلت بؤر توتّر دائمة للنظام أو التي انطلقت منها أولى شرارات الانتفاضة. كما ازدادت أعداد المعطلين عن العمل وعمّت الفوضى داخل القطر بتنامي العصابات الإجرامية بكل أنواعها وازدهار تجارة السلاح والرقيق وتكاثر الجريمة وانعدام الأمن وبات القلق يسيطر على النفوس خاصة جراء تحركات اليمين الديني الذي يمثل خطرا يداهم الحريات العامة والفردية ولم تجد الجماهير بدا من مواصلة المقاومة فعمّت بذلك الإضرابات الجهويّة  والاعتصامات ردّا على السياسة المعتمدة من طرف السلطة . فالوضع الاقتصادي   في انحدار متواصل إذ وصل في نهاية 2012 إلى مستوى متدنّي ينذر بعدم القدرة على توفير الأموال اللازمة لخلاص أجور الوظيفة العمومية .
  إنّ التحوير الوزاري المزمع القيام به والذي طال انتظاره - باعتبار أنّ الحديث عنه انطلق منذ شهر مارس 2012 – لن يحلّ كلّ هذه المشاكل المتراكمة والمتفاقمة فلحلول ليست مرتبطة بالأشخاص و لا بالكفاءات بل هي متّصلة بالاختيارات السياسية و الاقتصادية والاجتماعية التي يجب أن تكون في خدمة الشعب  و هو ما لا يتوفر في السلطة الحالية التي حافظت على نفس اختيارات سلطة بن على  .
ومن هنا   فإنّ التحوير الوزاري  الذى يجرى الحديث عنه  ليس هدفه البحث عن حلول لمشاكل الكادحين بقدر ما هو محاولة من الائتلاف الحكومي لإعادة تقسيم الغنائم  -اقرأ السلطة -  من جهة و ضمان الفوز في الانتخابات القادمة من جهة ثانية  فضلا عن محاولة حركة النهضة تشريك قوى أخرى قريبة منها بحثا عن تحالفات واسعة تمكنها من القول أنها ليست وحدها المسؤولة عن تردى الأوضاع الاجتماعية خاصة   .
لقد كرّر رموز النهضة في العديد من المناسبات  أنّ وزارات " السيادة " وهي العدل والخارجية والداخلية والدّفاع تبقى خطّا أحمرا ولا يمكن التخلّي عنها لفائدة أيّ طرف آخر وأنّ التحوير سيكون جزئيّا وطفيفا و ربّما لن يقع بتاتا وهي مؤشّرات بدأت تطفو على الساحة خاصّة في ظلّ احتدام الصّراع بين الأطراف المكوّنة للتحالف والذي يسعى كلّ طرف منه لفرض شروطه على الطّرف الآخر وباتت اختلافاتهم مجرّد اختلافات شخصيّة ليست لها أيّة علاقة بمشاكل الجماهير والحال أن القطر يسير نحو الإفلاس رغم القروض المهولة التي تمّ الحصول عليها من الدوائر الماليّة العالميّة التي تسعى من خلال ذلك إلى مزيد إحكام سيطرتها على قوت الشعب وثرواته الطبيعيّة وكذلك الإعانات التي حصلت عليها من طرف الرجعيّة العربيّة خاصّة الخليجيّة منها والتي استباحت نتيجة  ذلك العديد من المؤسسات و بسطت نفوذها عليها  .
  ورغم ما عمدت إليه حركة النهضة من أسلوب لترغيب بعض الأحزاب للانضمام للائتلاف الحكومي بعرض بعض الوزارات عليها ، فإنّ الاستجابة كانت محدودة في الوقت الذي وصل فيه الصراع بين الترويكا أشدّه ، إلى جانب الصراع المستعر داخل حركة النهضة نفسها .
  إنّ احتداد الصراع بين التحالف الطبقي الماسك بزمام السلطة  يعكس اساسا عمق الأزمة التي يعاني منها النظام وأنّ تغذيّة هذا الصراع في الظروف الحالية الهدف منه هو حجب المشاكل الحقيقية عن أنظار الجماهير وتغيير مراكز اهتماماتها اليومية عبر اختلاق معارك وهميّة وهامشيّة لا تهمّ الكادحين بل تهمّ الطبقات المسيطرة على السّلطة والتي تسعى حاليّا عبر مسلسل التحوير الوزاري إلى إعادة ترتيب بيتها من الدّاخل لمزيد إحكام سيطرتها على الشعب  الذي عانى و لا  يزال   الويلات و  لم يبق له من حلّ سوى أخذ مصيره بيده  لتحقيق أهدافه  التي من أجلها انتفض  

صدر بجريدة طريق الثورة عدد فيفري 2013  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق