الأحد، 12 مايو 2013




 افتتاحية  عدد ماى 2013 من جريدة طريق الثورة .

تجري هذه الأيام عمليات تمشيط متواصلة في جهات مختلفة في تونس من الجنوب إلى الشمال مرورا بالوسط تقوم به وحدات من الجيش و الحرس و الشرطة و ذلك بعد ورود أخبار عن وجود مجموعات مسلحة في الجبال وقد شملت تلك العمليات  مناطق في القصرين وقابس وجندوبة وقفصة وسيدى بوزيد ومنوبة و الكاف و سليانة ومدنين .
 و في جبل الشعانبي من ولاية القصرين اصطدم التمشيط   بألغام   انفجر بعضها مما أدى الى وقوع جرحى ، و رغم  استعمال وسائل متطورة لكشف الألغام فقد عجزت القوات التابعة لوزارتي الدفاع والداخلية عن رصدها ، مما جعلها تقصف المغارات والكهوف الموجودة في الجبل بالمدافع  و هو ما أسفر عن اشتعال النيران في الغابات أما العناصر المسلحة المستهدفة فلم يقتل أو يجرح أو يعتقل منها أحد باستثناء إلقاء القبض على عناصر ثانوية يشتبه في مسؤوليتها عن الدعم اللوجستيكى  ووضع اليد على أغطية وكتب و خرائط عسكرية .
وبخلاف ما يجرى في جبل الشعانبي فإن عمليات التمشيط في جهات أخرى تحصل بصمت و لا شئ يشير إلى أنه تم رصد  المجموعات المسلحة والاشتباك معها  .
و تدفع بعض الجماعات السياسية اليمينية الدينية  باتجاه التمويه على ما يجرى في تلك المناطق و التغطية على ضلوع الإرهاب الديني فيه  بالادعاء أن الأمر يتعلق بمسرحية نسجت خيوطها الاستخبارات الجزائرية وقوى سياسية تونسية معادية لها   بغرض الإساءة و تشويه السمعة ،  وقد روجت مزاعم مشابهة في مناسبات سابقة أيضا  اتضح بعدها أن  الفاعل الحقيقي هو الإرهاب الديني ، فقد قتل عقيد وجندي بالجيش التونسي ومسلحان  خلال اشتباكات في بلدة الروحية  كما  قتل  مسلحان في مواجهات  في  بئر علي بن خليفة   وأعتقل أشخاص  في فريانة بحوزتهم أسلحة وخرائط بالإضافة إلى اغتيال شكرى بلعيد ، و في مختلف هذه الأحداث تبين ضلوع تلك العصابات  المورطة أيضا في حرق أضرحة الأولياء و مهاجمة الفنانين في العبدلية و رفع الأعلام السوداء في الجامعات والساحات و البنايات الحكومية ومهاجمة باعة الخمور .
وقد سبق هذه الأحداث ورود أخبار من مصادر أمنية و استخباراتية وإعلامية أجنبية ومحلية تفيد بوجود قواعد للتدريب العسكري على الحدود التونسية الليبية و التونسية الجزائرية و أن بعض من كان فيها انتقل إلى سوريا و مالي و العراق و أفغانستان  ليعود بعد ذلك و يشكل مجموعات مسلحة متنقلة خاصة على طول الحدود مع الجزائر وأن جبل الشعانبي قد يكون القاعدة الرئيسية التي يتجمع فيها هؤلاء نظرا لتشعب تضاريسه .
  و يرجح أن  تلك الجماعات تتجه الآن غربا بعد التدخل العسكري الفرنسي   في مالي و تضييق   الخناق عليها في سوريا حيث يتم  توجيهها   كمدخل محتمل لفتح الجبهة الجزائرية لاستكمال حلقات إعادة رسم خارطة الوطن العربي بما يتفق ومصالح الامبرياليين الأمريكيين و الأوربيين فالامبريالية كانت و لا تزال  الممسك الحقيقي بورقة الإرهاب الديني و هي تستغلها الآن لإحكام سيطرتها على بلدان كثيرة عبر العالم   مثلما هو الحال  في أفغانستان والعراق ومالي و توظفها في اتجاه تطويق روسيا و الصين .
وتبدو السلطة التي يقودها اليمين الديني في تونس مورطة فيما يحدث فقد غضت الطرف عن تنامي نشاط  تلك المجموعات  بما ساعدها على الانتشار وجلب السلاح و إقامة المخابئ وتجنيد الأتباع ، وقد أرادت النهضة بشكل خاص  من وراء ذلك إيجاد حليف يمكن استعماله في الوقت المناسب في صراعها مع أعدائها و لكن تلك الجماعات أفلت قسم كبير منها من براثن النهضة و أصبح أقرب إلى القاعدة وصولا إلى استهداف حركة النهضة  نفسها وتكفير بعض رموزها و في ذات الوقت الارتباط برموز أخرى ضمن الحركة نفسها  ، و قد جاء الهجوم على السفارة الأمريكية في تونس ليفجر التناقضات الكامنة بين الطرفين .
و فضلا عن هذا يتورط اليمين الليبرالي في استغلال الأحداث محاولا إيجاد موطئ قدم ضمن المؤسستين الأمنية و العسكرية واستعمال ذلك في صراعه مع اليمين الديني   بالعزف على وتر الأمن الجمهوري  المحايد و تشتعل الآن نار المعركة بين هاتين القوتين حول من يستولى على أجهزة الدولة ويوظفها لصالحه فاليمين الديني  أضحى يمتلك أجهزته العسكرية صلب مؤسسات الدولة وخارجها  أما  اليمين الليبرالي  فيحاول خلق أجهزة مماثلة   باستمالة جانب من المؤسسة الأمنية العسكرية ، وبعد أن كان السبسي يهدد بحل نقابات الأمن و يصف المتمردين عليه منها بالقردة  أصبح الآن مدافعا عنها كما يحاول تشكيل ميليشيات خاصة تقوم بحراسة مقراته وتوفير الحماية لشخصياته تمهيدا لاستعمالها في أغراض أخرى ، و يهدد ذلك كله بإشعال نار حرب حقيقية بين الطرفين يذهب ضحيتها الكادحون قبل غيرهم و هو ما صرح به دون مواربة راشد الغنوشى الذي اتهم السبسي بالتحضير لحرب أهلية ، و بعد صوت المدافع وانفجار الألغام في الشعانبي   قد لا يطول الوقت قبل حدوث مواجهات   في المدن لن تتأخر الآلة العسكرية الأمريكية والأوربية في الدخول المباشر على خطها بتحريك قوات الافريكوم  مثلا التي زار قائدها قبل مدة تونس . كما لن تدخر الدوائر السياسية الأمريكية و الأوربية جهدا في الوقت المناسب لتقوم بترتيب الأوراق من جديد في تونس و توزيع السلطة على الإخوة الأعداء في النهضة و النداء   بالعدل والقسطاس بما يكفل التوازن صلب النظام التونسي ويوفر الاستقرار المنشود لمصالحها .
و رغم أن اللوحة في مجملها تبدول قاتمة فإن بقع ضوء توجد داخلها فالكفاح الشعبي متواصل و التصميم على تحقيق مطالب الانتفاضة ما زال عاليا و يظل تنظيم صفوف قوى الثورة المشكلة الرئيسية في ظل  مواصلة الطوائف و الملل السياسية تأثيرها الضار على مجمل الحركة الثورية   بترويجها للأوهام الإصلاحية و تعطيلها للسيرورة الكفاحية وتشتيت جهود الشعب  و الحيلولة دون وحدة كفاحه على قاعدة الثورة ، و يهدد هذا الوضع في حال استمراره بإعادة عقارب الساعة إلى الوراء و تحويل تونس إلى فريسة   تنهشها الكلاب والضباع .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق