الطابع شبه الإقطاعي لعلاقات الإنتاج في تونس من خلال
القانون المدني
تعتبرالقوانين ترجمة للعلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وهي وسيلة
من وسائل القمع التي تنتهجها الدولة لإخضاع الشعب لسياساتها وهي تكريس لسلطة
الطبقة أو الطبقات الحاكمة على الطبقات والفئات المحكومة . فالطبقات الماسكة بزمام
السلطة هي التي تتولى صياغة القوانين حسبما تقتضيه مصالحها ومصالح حلفائها. وفي
هذا الإطار يتم التطرّق للقانون المدني في تونس وفي فرعه المتعلق بالالتزامات
والعقود وخاصة منه الجزء الذي يحدّد علاقة الخمّاس أو العامل أو الناظر بمالك
الأرض . هذا الجزء الذي يثبت استمرار العلاقات الإقطاعية بالقطر فعلى سبيل
الذّكر لا الحصر ارتأينا الانطلاق من مجلة العقود والالتزامات الحاليّة وما احتوته
من فصول قانونيّة حدّدت من خلالها العلاقة بين ملاّكي الأراضي أي الإقطاعيّين
والخمّاسة والعمّال وغيرهم في إطار العديد من الشركات لعلّ أهمّها :
شركة الخمّاس : شركة الخمّاس هي التي يكون فيها الأرض والبذر والظهر
على أحد الشّريكين والعمل على الآخر على أن يكون المتحصل بين المتعاقدين حسبما
يعيّنه العقد (الفصل 1369) وإذا سكت العقد حمل على العرف وبموجبه يستحقّ الخمّاس
الخمس أو النّصف من الصّابة بحسب نوع الفلاحة وعرف المكان بعـد إخـراج ما يلزم
إخراجه من عشر وغيره (الفصل 1370). والخمّاس مطالب حسب الفصل 1396 بما يلي :
حفظ وصيانة الظهر الذي يخدم به وأن يرعى نهارا بدابة واحدة لركوب الفلاح
ويأتي لها بالحشيش (العشب) ليلا، حرث الأرض وتهيئتها، القيام بجميع الأعمال التي
يحتاج لها الزرع قبل إداركه كالسّقي والحراسة وطرد العصفور وغيره من الحيوانات
المضرّة بقدر الإمكان وتنقيّة الزرع من الحشيش وتحمير الفول بالمسحاة وغير ذلك من
الأعمال الاعتيادية وكذلك جميع الأعمال اللازمة بعد تنامي الزرع وإدراكه وجفافه
كالحصاد وقلع الفول والرفع إلى المندرة وتهيئتها والدّرس والتّذرية وتكويم نوادر
التّبن وتزريبها وتطيينها وبناء كيب للدّوابّ ونقل الزرّيعة لمحلّ وضعها بمكان
خدمته. على الفلاّح أن يعطي ما يلزم
الخمّاس وعائلته من المؤونة حسب عرف المكان بالسّعر الجاري، ودفتر الفلاّح أو
وقّافه يكون عليه العمل فيما تضمّنه من المقادير والأسعار إذا كانت المقادير
مشبّهة وكانت الأسعار مطابقة لأسعار المكان في التاريخ (الفصل 1387). وعقـد شركة
الخماس لا ينفسح بوفاة الفلاّح ، وإذا توفّي الخمّاس فللفلاح أن يقيم مقامه من
يخلفه في الخدمة وتكون الخماسة بين هذا الثّاني وبين ورثة المتوفّي كلّ بحسب عمله
، هذا إذا لم يكن للخمّاس المتوفّي ورثة
رضوا بالقيام مقامه ، لكن إذا مات الخمّاس وقت الحصاد كان الحقّ لورثته في مناب
مورّثهم من الصّابة وعليهـم إتمام أعمالها التي تلزم مورّثهم إن لـو كان حيّا (
الفصل 1394 ) .
المساقاة (الفصل 1395):
المساقاة عقد تكليف شخص لآخر يتعاطى ما يـلزم لخدمة شجر قد بلـغ الإطعام أو زرع قد
ظهر إلى وقت اقتطاف الغلّة أو جمع الصّابة بجزء معيّن من ثمره والمباشر للخدمة
يسمّى عاملا.
المغارسة (الفصل 1416): إذا كان موضوع الشركة أشجارا مثمرة أو
نحوها من ذوات الدّخل وتكلّف الشّريك العامل بغرسها في أرض شريكه على أن يكون له
مناب شائع في الأرض والأشجار حين بلوغها إلى حدّ معـلوم أو حدّ الإثمار سمّي العقد
عقد مغارسة .
شركة الحيوان (الفصل 1427): شركة الحيوان هو أن يعطي أحد المتعاقدين للآخر المعبّر عنه
بالعامل شيئا من الحيوان لتربيّته وحراسته بشرط أن يقسّم بينهما المتحصّل من ذلك
على النسبة التي يتّفقان عليها، وتنعقد الشّركة في كلّ حيوان صالح للإنتاج أو
العمل في الفلاحة أو التّجارة عدا ما منع التبايع فيها شرعا (الفصل 1428) ويقسّم
النموّ والخسارة أنصافا بين المتعاقدين ما لم يكن في ذلك اتّفاق خاصّ (الفصل 1429)
وللعامل دون صاحب الحيوان الانتفاع بزبله
وخدمته المعتادة التي لا ينشأ عنها ضرر (الفصل 1436) .
وعلاوة على هذه الشركات الفلاحيّة التي ينتفي فيها خلاص أجور العامل
والخمّاس نقدا ويتمّ ريعا أي بواسطة جزء من المحصول أو جزء من الغراسات أو
الحيوان، كما ينتفي فيها تحديد ساعات العمل اليوميّة وأيّام الراحة الأسبوعيّة
وكلّ الضمانات القانونيّة والخدمات الإجتماعية
التي يحصل عليها العمّال في المصانع والمعامل، نقف أيضا عند وضعيّة ناظر
الفلاحة أو الوقّاف وهو المسؤول عن إدارة شؤون الفلاحة لدى مالك الأرض إذ نجد وأنه
إذا لم يكن هناك شرط في أجر الوقّاف يقدّر بالصّور الآتية (الفصل 1173):
أوّلا: إذا كان
دولاب الفلاحة من الثلاث مواشي فللوقّاف قفيز قمح ومثله شعيرا .
ثانيا: إذا
استؤجر الوقّاف في خصوص خدمة الشّتاء أو الصيف فله النصف ممّا ذكر.
ثالثا: إذا كان
الوقّاف ساكنا في الهنشير الذي به الفلاحة وكان ذا عيال فله القفيزان المذكوران
قمحا وشعيرا وله أن يبذر معونة بويبتين قمحا ومثلها شعيرا .
إنّ هذه الفصول القانونيّة وهي عديدة (من الفصل 1173 إلى الفصل 1436) إلى
جانب بعض الفصول الأخرى من مجلّة الالتزامات والعقود (من الفصل 473 إلى الفصل 512 البيّنة بالشهادة)
تجسّد الطابع الإقطاعي الذي تتّسم به علاقات الإنتاج بالقطر والتي لا تزال سارية
المفعول إلى حدّ الآن والتي لم يشملها أيّ تنقيح محافظة بذلك على نفس التعابير
والمفردات التي تعود بنا إلى الماضي البعيد (تكويم نوادر التبن وتطيينها، حفر
مطمور، قبول الطعام من المندرة ووضعه في المطامر، التقاط السنبل من الحلل...)، وهي
علاقات إنتاج متخلّفة تعرقل تطوّر المجتمع، كما تؤبّد استغلال الإقطاعيين للخمّاسة
والعمال والنظّار الذين يتقاضون أجورا
زهيدة ويتحملون جانبا كبيرا من الخسارة التي تصيب المحصول .
إنّ الوضع المتردّي الذي يعيشه الخماس والعامل
والناظر والفلاحون الفقراء والمتوسطين الذين رفع بعضهم خلال الانتفاضة شعار "الأراضي تباعت والأهالي جاعت" تعبيرا عن
معاناتهم لن يتحسّن إلاّ بحصول إصلاح
زراعي قوامه الأرض لمن يفلحها يتمّ بمقتضـاه توزيع الأرض عليهم مع إسناد قروض ميسّرة لهم وتوفير الأسمدة اللاّزمة والآلات الفلاحيّة
بأسعار منخفضة مع تعميم شبكات الريّ وتعديل مقابلها المادّي ومدّ الطرقات وتحسين المسالك الفلاحيّة وتسهيل تسويق منتوجاتهم
بدون وسطاء وطفيليين .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق