الكادحون يدفعون
فاتورة الخيارات الاقتصادية اللاوطنية
بلغت نسبة التضخم في تونس، إذا استثنينا المواد المدعّمة، 11 بالمائة وذلك
جرّاء الارتفاع المشطّ للأسعار، ومقابل هذا الارتفاع لا زالت الأجور تراوح مكانها
وإن تمّ إقرار بعض الزيادات فإنّها تظلّ غير قادرة على مواكبة الصّعود المتواصل
لأسعار المواد الاستهلاكية، وظلّ الوضع المعيشي للكادحين على حاله بل انه يزداد
تدهورا وانحدارا مع مرور الأيام ، هذا دون حسبان الفئات التي تعيش (والحال أنّها
ميّتة) تحت خط الفقر أو هي في مستوى الفقر المدقع حتى وإن كانت تحتسب ضمن
المشتغلين، ويزداد الأمر سوءا في صفوف الفئات
المعطّلة عن العمل والمهمّشة والتي لا تحصل على أيّ دخل.
وقد حاولت الحكومات المتعاقبة
إخفاء هذه الأزمة الاقتصادية و الاجتماعيّة بلجوئها كالعادة إلى لغة الأرقام
بترويج نسب كاذبة معتمدة على نفس الأجهزة والمؤسسات التي كان يستعملها بن علي
سابقا، فتمّ الحديث عن نسبة نموّ اقتصادي تجاوزت الـ 3 بالمائة وعن ارتفاع في نسبة
الصادرات وتحسّن في القطاع السياحي وعن "صابات" فلاحيّة..الخ. وكلّما
حصلت زيادة في الأجور، سارعت أبواق دعايتها إلى النّفخ في تلك الملّيمات لتحوّلها
إلى مليارات والى التشهير بمنتقدي تلك الزيادات الشحيحة. لكن تفاقم الأزمة
الاجتماعيّة لم يعد بالإمكان حجبه لأنّه أضحى يغطّي فئات اجتماعيّة واسعة وأصبحت
الوضع أكثر بؤسا وهو ما دفع بعديد
الظّواهر إلى التفشّي من ذلك تزايد حالات الانتحار والهجرة السرية إلى البلدان
الأوربية والسّرقة والنّهب والسّطو وغيرها.
وأمام تجاهل أسباب هذه الأزمة
الكامنة في السياسة الاقتصاديّة والاجتماعيّة المتّبعة والتي ورثها الحكام الجدد
عن عهد بن علي وأعلنوا ذلك دون خجل، وكنتيجة حتميّة لتواصل هذه السياسة التي لن
تزيد الفقراء إلا فقرا و الأثرياء إلاّ
ثراء خاصّة مع بروز أغنياء جدد سرعان ما أصبحت بين أيديهم ثروات طائلة مجهولة
المصدر ومع تفشى الفساد من ذلك ما تم
الكشف عنه حول مصاريف الرّئيس المؤقت الذي
صرف ما قيمته 9 آلاف دينار خلال رحلته الأخيرة إلى ألمانيا فان اللجوء إلى
الاقتراض المتواصل أصبح المخرج الوحيد
بالنسبة إلى هؤلاء الحكّام، باعتبار أنّ هذا الطّريق (الاقتراض) لا يتطلّب
كثيرا من الجهد والعناء، وإنّما قليلا من التنازل عمّا بقي من الكرامة والتفريط في
بعض ذرّات السيادة إلى الجهات المموّلة، لذلك لم يتوان الحكّام الجدد عن الهروب إلى الأمام من أجل
الحفاظ على كراسيهم الفاخرة. وهو ما يدلّ عن اعتراف ضمنيّ بوجود هذه الأزمة التي
يحاولون إخفاءها عن الشّعب وإيهامه بأنّ الأوضاع الاقتصادية تحت السيطرة، لكنّهم
لا يستطيعون فعل نفس الشيء مع أسيادهم سواء كانت دولا أو منظمات أو أشخاصا.
وفي هذا الإطار تأتي الرسالة التي
بعثت بها الحكومة مؤخّرا إلى صندوق النقد الدولي حاملة إمضاء وزير المالية ومحافظ
البنك المركزي مشخّصة فيها الوضع الاقتصادي في تونس مستجدية منه تقديم مساعدة
مالية. وقد تم الاتفاق على منح قرض ائتماني من هذه المؤسسة يقدّر ب2.7 مليار دولار
بجملة من الإجراءات من بينها الحدّ من الزيادة في الأجور وذلك في مواصلة لسياسة
"الإصلاح الهيكلي" التي بدأها بن علي، وتمثّل هذه الإملاءات جانبا
من الشروط التي وردت في تقارير سابقة
أصدرها المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدّولي ومنها تقرير نشر في شهر أوت 2012 .
وبما أنّ هذه السياسة لن تحلّ الأزمة وإنّما
ستفاقمها، فإنّ الوضع الاجتماعي للطبقات الشعبيّة سيزداد تدهورا إذا ما تمّ فعلا تنفيذ قرار تجميد الأجور مقابل
ارتفاع لهيب الأسعار، وهذا ما سيجعل ساحة الكفاح الطبقي مهيّأة لمزيد من التحرّكات
الاجتماعيّة في المدى المنظور
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق